الشرق الاوسط بعد الحرب ...من بكتب خرائط الغد
بقلم/ محمد لاشين
يعد ما تشهده المنطقة مجرد حرب تقليدية بين أطراف متصارعة، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لشكل النظام الإقليمي ولقدرة القوى الكبرى على فرض معادلات جديدة. فكل صاروخ يُطلق اليوم لا يغيّر فقط خريطة الميدان، بل يترك أثرًا مباشرًا على الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، والملاحة الدولية، وحسابات الأمن القومي لدول الشرق الأوسط.
التصعيد الأخير يؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الحساسية، مع اتساع دائرة المواجهة واستمرار الضربات المتبادلة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاسات ذلك على أمن الممرات البحرية وأسعار النفط والاقتصاد العالمي.
لكن قراءة التاريخ السياسي تؤكد أن الحروب، مهما بلغت حدتها، لا تستمر إلى ما لا نهاية. فبعد كل جولة عسكرية، تفرض السياسة نفسها، وتبدأ مرحلة البحث عن تسويات تحفظ الحد الأدنى من مصالح جميع الأطراف. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من سيربح الحرب؟ بل: من سيملك القدرة على صياغة السلام الذي يليها؟
في تقديري، تتجه المنطقة إلى أحد ثلاثة مسارات. الأول هو استمرار التصعيد بما يحمله من مخاطر توسع المواجهة إلى ساحات جديدة، وهو سيناريو ستكون كلفته باهظة على الجميع. والثاني هو هدنة مؤقتة تلتقط خلالها الأطراف أنفاسها دون معالجة أسباب الأزمة، وهو ما يجعل العودة إلى المواجهة احتمالًا قائمًا. أما الثالث، وهو الأكثر واقعية على المدى المتوسط، فيتمثل في تسوية سياسية تفرضها موازين القوى والإرهاق العسكري والضغوط الاقتصادية، وليس رغبة الأطراف وحدها.
المؤكد أن الشرق الأوسط بعد هذه الحرب لن يشبه ما كان قبلها. ستتغير التحالفات، وستعيد دول كثيرة مراجعة عقيدتها الأمنية، بينما ستصبح حماية الممرات البحرية وأمن الطاقة أولوية تتقدم على كثير من الملفات الأخرى. كما أن النظام الدولي نفسه يواجه اختبارًا صعبًا، بعدما أثبتت الأزمات المتلاحقة أن النفوذ لم يعد حكرًا على قوة واحدة، وأن العالم يتجه تدريجيًا إلى توازنات أكثر تعقيدًا.
أما مصر، فإن مسؤوليتها التاريخية تفرض عليها الاستمرار في انتهاج سياسة الاتزان، والدفع نحو الحلول السياسية، والحفاظ على أمنها القومي بعيدًا عن الانجرار إلى صراعات مفتوحة لا تخدم شعوب المنطقة. فالقوة الحقيقية ليست في خوض كل المعارك، وإنما في امتلاك القدرة على حماية الدولة وصون مصالحها وسط العواصف.
ويبقى الرهان الأكبر على أن ينتصر صوت العقل قبل أن تتجاوز المنطقة نقطة اللاعودة. فالحروب قد تصنع انتصارات عسكرية مؤقتة، لكنها لا تصنع استقرارًا دائمًا. وحده السلام القائم على التوازن والاحترام المتبادل قادر على منح شعوب الشرق الأوسط فرصة حقيقية لبناء المستقبل، بعد سنوات طويلة من الدماء والدمار.