حزب الوفد.. من ذاكرة الحركة الوطنية إلى تحديات استعادة الدور السياسي
بقلم: الكاتب والمحلل السياسي محمد لاشين
ليس كل حزب سياسي مجرد اسم في سجل الأحزاب، فهناك أحزاب تصنعها اللحظة السياسية، وأحزاب أخرى يصنعها التاريخ وتظل مرتبطة بوجدان الوطن وأحداثه الكبرى. ويأتي حزب الوفد في مقدمة الأحزاب المصرية التي ارتبطت نشأتها بتاريخ النضال الوطني، وبمرحلة مهمة من مراحل تشكيل الدولة المصرية الحديثة.
فمنذ عام 1918، عندما تشكل الوفد المصري بقيادة الزعيم سعد زغلول للمطالبة بالاستقلال، بدأت صفحة جديدة في تاريخ الحركة الوطنية المصرية، صفحة لم تكن مجرد تحرك سياسي محدود، بل تحولت إلى حالة شعبية واسعة تُوجت بثورة 1919، التي جسدت وحدة المصريين بمختلف انتماءاتهم الدينية والاجتماعية خلف هدف وطني واحد، هو الاستقلال والحرية.
لقد كان الوفد، عبر تاريخه، أكثر من مجرد حزب سياسي؛ فقد ارتبط اسمه بالحياة البرلمانية والدستورية، وشارك في تشكيل الحكومات، وخاض معارك سياسية مع القصر والاحتلال البريطاني، كما ارتبطت تجربته بدستور 1923، الذي شكل محطة مهمة في تطور الحياة النيابية المصرية.
ولعل أبرز ما ميز التجربة الوفدية في تلك المرحلة هو قدرتها على استيعاب تيارات وفئات اجتماعية متعددة، وتقديم خطاب وطني تجاوز حدود الانتماءات الضيقة، وهو ما جعل الوفد جزءاً أصيلاً من الذاكرة السياسية المصرية.
لكن التاريخ، مهما كانت عظمته، لا يمنح الأحزاب حصانة دائمة من التراجع، ولا يكفي وحده لصناعة المستقبل. فالحياة السياسية تتغير، والأجيال تتبدل، وتطلعات المواطنين تتطور، ومن هنا يواجه حزب الوفد سؤالاً سياسياً مهماً: كيف يمكن تحويل الرصيد التاريخي الكبير إلى حضور مؤثر في واقع سياسي مختلف؟
إن استعادة الدور السياسي لا تتحقق بالاحتفاء بالماضي وحده، وإنما تحتاج إلى مراجعة شاملة للأداء الحزبي، وتطوير أدوات التواصل مع الشارع، وفتح المجال أمام الشباب والكوادر الجديدة، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي القائم على البرامج والحلول الواقعية.
كما أن الحزب يحتاج إلى خطاب سياسي يعبر عن قضايا المواطن اليومية، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، ودعم المشروعات الصغيرة، وتطوير التعليم والصحة، إلى جانب تقديم رؤى واضحة بشأن الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.
فالشارع المصري لا يحتاج إلى شعارات سياسية بقدر احتياجه إلى أحزاب تمتلك القدرة على التعبير عن مطالبه، وتقديم بدائل قابلة للتنفيذ، وممارسة دورها الرقابي والتشريعي والمجتمعي بصورة مسؤولة.
ومن المهم كذلك أن يستعيد الوفد دوره باعتباره مؤسسة سياسية لها تاريخ وتقاليد، وأن تكون قوة الحزب في مؤسساته ولجانه وقواعده بالمحافظات، لا في الأسماء وحدها. فالأحزاب الحقيقية تُبنى من القاعدة إلى القمة، وتستمد قوتها من ثقة المواطنين وقدرتها على تجديد قياداتها وأفكارها.
إن التحدي أمام الوفد اليوم ليس استعادة صورة تاريخية فحسب، وإنما بناء مشروع سياسي معاصر يحافظ على المبادئ التي ارتبط بها الحزب، ويستجيب في الوقت نفسه لمتطلبات الجمهورية الجديدة وتحديات الدولة المصرية.
إن حزب الوفد يمتلك تاريخاً لا يمكن تجاهله، لكن المستقبل لا يُمنح بالتاريخ، بل يُصنع بالعمل والتنظيم والقدرة على التجديد.
وفي النهاية، تبقى تجربة الوفد درساً مهماً في تاريخ السياسة المصرية؛ فالأحزاب لا تعيش بذكرياتها، وإنما بما تقدمه لوطنها ومجتمعها. وإذا كان سعد زغلول ورجال الحركة الوطنية قد وضعوا اللبنات الأولى لهذا الكيان في زمن الاحتلال، فإن مسؤولية الأجيال الحالية هي أن تقدم تجربة سياسية تستحق أن يكتبها التاريخ للأجيال القادمة.
فالوفد الذي ارتبط اسمه بثورة 1919 مطالب اليوم بأن يثبت قدرته على مواكبة تحديات 2026، وأن يجعل من تاريخه نقطة انطلاق نحو المستقبل، لا مجرد ذكرى نستعيدها في المناسبات.